الحلقة الأولى من سلسلة “البحر الرائق في الزهد والرقائق“
من تأمل أحوال الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من الصالحين , كانو في غاية الجد في العمل مع غاية الخوف , ونحن جمعنا بين التفريط والأمن , فكلما ازداد علم العبد بالله عز وجل وبنفسه , ازداد خوفه وعمله , وكلما ازداد جهله بربه وبنفسه , ازداد أمنه وتفريطه
فهذا الصديق رضي الله عنه يقول: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن. وكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله عز وجل
وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ سورة الطور حتى بلغ: (إن عذاب ربك لواقع) بكى واشتد بكاؤه حتى مرض وعادوه. وقال لابنه وهو يموت: ويحك ضع خدي على الأرض عساه يرحمني , ثم قال: ويل أمي إن لم يغفر لي , ويل أمي إن لم يغفر لي , ويل امي إن لم يغفر لي , ثم قضى. وكان رضي الله عنه يمر بالآية في ورده بالليل تخيفه فيبقى في بيته يزوره الناس أياما يحسبونه مريضا, وكان في وجهه خطان أسودان من كثرة البكاء, وقال له ابن العباس: مصَّر الله بك الامصار , وفتح بك الفتوح, فقال: وددت أني أنجو , لا أجْر ولا وزر.
وكان أبو ذر رضي الله عنه يقول: لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت لما أكلتم طعاما على شهوة , ولا شربتم شرابا على شهوة , ولا دخلتم بيتا تستظلون به , ولخرجتم إلى الصعيد تضربون صدوركم وتبكون على أنفسكم , ولوددت أني شجرة تُقطع ثم تؤكل.
وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: ابكو , فإن لم تبكو فتباكو , فوالذي نفسي بيده لو يعلم العلم أحدكم لصرخ حتى بنقطع صوته , ولصلى حتى ينكسر صلبه.
وروي أن زرارة بن أبي أوفى – قاضي البصرة – صلى بالناس يوما الفجر بسورة المدثر , فلما قرأ: (فإذا نقر في الناقور, فذلك يومئذ يوم عسير) أخذته شهقة فمات.